المقامية في لسانيات النص

 المقامية في لسانيات النص


  Image by Freepik

تعريف المقامية لغة

عند الرجوع إلى المعاجم العربية كلسان العرب لابن منظور (ت 711ه) ومختار الصحاح لزين الدين الرازي (ت 666 ه) نجد أنّ المقام بفتح الميم لا يخرج عن هاذين المعنيين:
  • موضع القدمين.
  • المجلس والجماعة من الناس.
قال ابن منظور: «قَوَمَ: القيام: نقيض الجلوس، قام يقومُ قوماً وقياماً وقومةً وقامةً، والقومة المرّة الواحدة. قال ابن الأعرابي: قال عبدٌ لرجلٍ أراد أن يشتريهُ: لا تشترني فإنّي إذا جعتُ أبغضتُ قوماً، وإذا شبعتُ أحببتُ نوماً، أي أبغضتُ قياماً من موضعي، قال: والمقام: موضع القدمين، قال:
هذا مقامُ قدمي رباح        غدوةَ حتّى دلكت براح


ويُروى: براح. والـمُقامُ و الـمُقامة، بالضم: الإقامة، و المقامة بالفتح المجلس والجماعة من الناس ... وقوله تعالى:﴿لا مُقام لكم﴾  أي لا موضع لكم، وقُرئ: لا مُقام لكم ، بالضم، أي: لا إقامةَ لكم و ﴿حسنت مستقرّاً و مقاما ﴾  أي موضعاً وقول لبيد:

عفت الديار محلها فمقامها       بمنى تأبد غولها فرجامها

يعني الإقامة. وقوله عز وجل: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) ﴾  ، قيل: الـمُقام الكريم هو : المنبر ، وقيل : المنزلة الحسنة ». 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المصدر الذي نراهُ مناسباً لأصل كلمة مقامية هو "مَقام" بفتح الميم؛ لأنه يحمل على الأقل معنى المكان والمشاركين في النص أو الخطاب   وهما عنصران مهمان من عناصر المقامية كما سيتبين لاحقاً، على عكس كلمة "مُقام" بضم الميم التي لا تحمل إلا معنى الإقامة.

وقال أبو النصر الفارابي (ت 393هــــ) في معجمه: (الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية): «القوم: الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه. قال زهير:

وما أدري وسوف أخالُ أدري     أقومٌ آل حصن أم نساء؟!

وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾، ثم قال سبحانه:﴿ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأنّ قوم كل نبي رجال ونساء ... والـمُقامة بالضم: الإقامة. والـمَقامة بالفتح: المجلسُ، والجماعةُ من النّاس ...»

وفي هذا القول إشارةٌ واضحةٌ للفرق بين الـمَقامة والـمُقامة وتأكيدٌ على ما ذهبنا إليه سابقاً. 

تعريف المقامية اِصطلاحا

الـمَقاميّة ويطلق عليها أيضا: الموقفية أو السياق غير اللغوي أو سياق الحال أو الموقف في الدراسات اللغوية الحديثة يقول محمد فهمي حجازي: «كلمة السياق كثيرة الدوران في البحوث اللغوية، تناولها الباحثون في الدلالة بمعنيين مختلفين، يمكن تحديدهما في أمرين، هما السياق اللغوي Linguistic Context على عكس السياق الاجتماعي Social context ويسمى السياق الاجتماعي عند فيرث Firth باسم Context of Situation أي سياق الموقف. وعند بالمر Palmer باسم Non Linguistic Context أي السياق غير اللغوي...» .

ورغم أن بعض المترجمين العرب قد اِختاروا أن يترجموا مصطلح: Situationality  بــــ:الموقفية ، إلا أننا فضّلنا مصطلح الـمَقامية وذلك لإبقاء العلاقة بين هذا المعيار وبين ما كان يُسمّى في تراثنا اللغوي بـــــــ: (( سياق الحال أو المقام )) ، والهدف الثاني هو محاولة التفريق الاصطلاحي بين الموقف كفضاء أُنتجَ فيه النص و الـمَقامية كمجموعة من العوامل التي ربطتْ بين الموقف و بين النص.
وسياق الحال «مصطلح عربي، وهو ترجمة للمصطلح الغربي (context of situation)، وهذه أكثر الترجمات شيوعا واستخداما بين اللغويين من العرب المحدثين. ولو أن بعضهم يفضل غيرها...» ، «والحقيقة أنّ هذا المفهوم – أي سياق الحال – يمثل المعيار السادس من معايير النصية عند "ديبوغراند" و"دريسلر"، وقد وردت ترجمات عربية للمصطلح الأجنبي Situationality منها رعاية الموقف والموقفية »  ، وهو المصطلح الذي صاغه عالم الأنثروبوجيا البولندي "ماليونفسكي" في بحث بعنوان " The problem of meaning in primitive language  "  ، ولكن الحق يقال بأن هذا الباحث لم يكن أول من صاغ هذا المصطلح؛ إذ « لم يكن مالينوفسكي وهو يصوغ مصطلحه الشهير Context of situation  يعلم أنّه مسبوقٌ إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو ما فوقها. إنّ الذين عرفوا هذا المفهوم قبله سجّلوه في كتبٍ لهم تحت اصطلاح "المقام"، ولكنّ كتبهم هذه لم تجد من الدعاية على المستوى العالمي ما وجده اصطلاح "مالينوفسكي"». 

وقد «بيّن "مالينوفسكي" أنّ فكرة سياق الحال تعني أكثر من اللغويات والثقافة والبيئة وغيرها من العناصر اللغوية الميّتة. وقد قصد بهذا المصطلح أيضاً الوقوف على الجانب اللغوي الحي بمعنى دراسة اللغة عن طريق المشاهدة والملاحظة للكلام المنطوق في الموقف الفعلي؛ إذ إنّ معنى الكلمات متأصّلٌ في كفاءتها العملية وأنّه لا يتضمن عند الاتصال اللغوي الكلمات فقط، بل الصلات والظّروف الخارجيّة التي تُسهِمُ في إنتاجية الكلام.» 

وقد عرّف الدكتور "المهدي إبراهيم الغويل" سياق الحال بأنّه: «حصيلة الظروف الواردة في الوقت الذي تم فيه المقال وما يعتري الموقف من ملابسات لها تأثير في الحدث اللغوي، وبهذا يكون المقام بهذا المفهوم داخلا في المقام بمفهومه العام والذي يشمل أحوال المتكلم والمتلقي...» .

ويبدو من كل ما سبق ذكره أنّ المقامية أو سياق الحال Context of situation مرتبطٌ بكل المعطيات الخارجية والملابسات المتنوعة التي يُنتج فيها النص، والتي تؤثّرُ فيه والتي يمكن -حسب اللساني فيرث-أن تكون :

  • شخصية المتكلِّم والمتلقي وتكوينهما الثقافي، وطبيعة العالقة التي تجمعهما في ذلك الموقف الاتصالي.
  • العوامل الاجتماعية والنفسية ذات العلاقة باللغة والسلوك اللغوي لمن له دورٌ في ذلك الموقف التواصلي الواقعي، كمكان الكلام المؤطر له وزمانه وغيرها من المعطيات الأخرى المؤثِّرة.
  • كل ما يحدث أثناء انتاج النص أو الخطاب من استجابات وكل ما يؤثر في ذلك الموقف الاتصالي.
  • الآثار الناتجة للحدث الكلامي عبر مسرح الكلام، سواء أكانت هذه الآثار عقلية كالاقتناع أو عاطفية كالغضب والرضا أو الإغراء وغيرها...


تعليقات