لسانيات النص والخطاب والنص

 لسانيات النص والخطاب والنص

لسانيات النص والخطاب والنص


مفهوم الخطاب لغة

جاء في لسان العرب: «خطب: الخطب: الشأن أو الأمر، صغر أو عظم وقيل: هو سبب الأمر. يقال: ما خطبك؟ أي ما أمرك؟ والخطب الأمر الذي تقع فيه المخاطبة والشّأن والحال» .

وجاء فيه أيضا: «والخطاب والمخاطبة: مراجعة الكلام، وقد خطابه بالكلام مخاطبة وخطابا، وهما يتخاطبان ... وارسم الكلام: الخطبة» أما في "الصحاح " فقد عرفه "الجوهري" (ت 393هــ) بقوله: «...خطبت على المنبر خُطبة بالضم، وخاطبه مخاطبة وخطابا» .
وّأما الزمخشري فيقول: «خطب أحسن الخطاب، وهو المواجهة بالكلام وخطب الخطيب خطبة حسنة، وخطب الخاطب خطبة جميلة». 
وعند التدقيق في هذه التعريفات نجد أن مفهوم الخطاب لُغُوِيًا يدورُ في: 

  1. مراجعة الكلام: أي أن الخطاب لابد أن ينتج في فضاء يحتوي على مشاركيْنِ اِثنيْنِ على الأقل(متكلم-سامع) متواجديْنِ في ذلك الفضاء تواجدًا مَادِيًّا.
  2. المواجهة بالكلام: على عكس النص الذي قد لا يتميز بهذه الميزة.
  3. الخطاب محصور في الخطبة والخطيب: فهو أقربُ إلى الجانب الديني منه إلى الجانب اللغوي مع عدم إغفال الجانب الأدبي لهما.

تعريف الخطاب اصطلاحا

الخطاب بالمعنى الاصطلاحي كما عرفه "هاريس" بأنّهُ «ملفوظٌ طويلٌ أو هو متتالية من الجمل تكوِّنُ مجوعةً منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر بواسطة المنهجية التوزيعية، بشكل يجعلنا نظل في مجال لساني محض».  أي أن الخطاب في نظر (هاريس) هو مجموعة منتهية من الجمل المترابطة أو المتسلسلة والتي تنوزع بشكل منظم في بنية هذا الخطاب.

وقد عرفه ميشيل فوكو بأنه: «عملية عقلية منظمة تنظيما منطقيا أو عملية مركبة من سلسلة عمليات العقلية الجزئية، أو تعبير عن الفكر بواسطة سلسلةٍ من الألفاظ والقضايا التي ترتبط بعضها ببعض».  

ويعرفه في موضع أخر بقوله: «مجموعة من المنطوقات بوصفها تنتمي إلى ذات التشكيلة الخطابية، فهو ليس وحدة بلاغية أو صوريةً قابلةً لأن تتكرر إلى ما لا نهاية، يمكن الوقوف على ظهورها واستعمالها خلال التاريخ... بل هو عبارةٌ عن عددٍ محصورٍ من المنطوقات التي تستطيع تحديد شروط وجودها»

ويحصر "جون ديبوا" جوانب الخطاب في ثلاثة نقاط: الأولى أن الخطاب هو كلام، والثانية أنه مرادف للملفوظ، والثالثة أنه أكبر من الجملة بقوله: «يتكون من سلسلة تشكل رسالة لها بداية ونهاية، وهو مرادف للملفوظ، إذن فهو كل ملفوظ أكبر من الجملة» .
أمّا "إميل بنفست" فيعرفه باعتباره: «الملفوظ منظورًا إليه من وجهة آليات وعمليات اشتغاله وفي التواصل»  أو هو: «كل تلفظ يفترض متكلمًا ومًسْتَمِعًا وعند الأوّلِ هَدَفُ التَّأثير على الثَّاني بطريقةٍ مَا» .

إلا أنَّ "ديبوغراند" يقدِّمُ تعريفًا للخطاب مُفَرِّقًا بينه وبين النّصِّ كاشِفًا عن العلاقة بينهما حين اِعتبرَهُ «...مجموعةً من النّصُوص ذات العلاقات المشتركة، أي أنه مترابط من صورة الاستعمال النصي يمكن الرجوع إليه في وقت لاحق» ، ومن خلال هذا التعريف تبدو لنا وجهة نظر هذا الباحث إذ إنّهُ يعتبرُ الخطابَ مجموعةً من النصوص المترابطة بعلاقةٍ مشتركةٍ:


وهذه العلاقة المشتركة بين هذه النصوص ناتجة عن صور الاستعمال النصي كما أردف "ديبوغراند".

وها هو "تودوروف" يعتبر الخطابَ جسمًا له «ذاته، حركته، زمنه وهو مختلف عن كل ما عداه، يخضع للانتظام داخلي، لكنه يتحرك بحرية مستقلة، ومن ثمة فهو لونٌ يختلف عن النص». 

ولو اِطلعنا على جُلِّ تعريفات الخطاب الأخرى التي لها وزن في علم اللغة لخرجنا بالنتائج التالية المقتضبة:

  • يرادف مصطلح الخطاب مصطلح الكلام (parole) حسب رأي اللساني السويسري "دي سوسير".
  • هو وحدة لغوية يقوم المتكلم بإنتاجها، وهي تتجاوز حدود الجملة(هاريس)
  • الخطاب وحدة لغوية تفوق الجملة يشترط فيها البعد التواصلي بحسب رأي "بنفست".
  • الخطاب يقابل مفهوم الملفوظ في مدرسة لسانيات النص الفرنسية.
  • الخطاب يقابل مجموعة من النصوص المترابطة بعلاقة مشتركة (ديبوغراند).

الفرق بين النص والخطاب

وبعد أن تعرفنا على مفهومي النص والخطاب نجد أنفسنا أما خلط كبير بينهما عند اللسانين وخصوصاً العرب، مما سبب قلة الاستفادة من هذين المصطلحين المهميْنِ، والمطلع على الساحة التغذية والثقافية الغربية والعربية لا يغيب عنه ذلك الخلط بين النص والخطاب. فهناك من الباحثين من لا يفرق بين النص والخطاب مثل الباحث "روجر فاولر " لأَنَّ «كل نَصٍّ خِطَابٌ، فعلُ لغةٍ من لدن مؤلفٍ ضمنيٍ له تصميم محدد الهوية» فالنص والخطاب مترادفان بالنسبة إليه.

ونجد هذا الراي أيضا عند "جوليا كرستيفا" التي ترى بأنَّ «النص الأدبي خطابٌ يخترقُ حالياً وَجْهَ العِلْمِ والإيديولوجيا السّياسيّة» .

وفي حين أن "مايكل ستابش" يعتقد أنَّ هناك «فروقاتٍ بين النص والخطاب، وتتمثل تلك الفروقات في أنَّ النص يكون مكتوبا طويلاً أو قصيراً، ويتميز بالانسجام في الشكل والصيغة، بينما الخطاب يكون محكيا تفاعليا وطويلا، عميق الانسجام من حيث الدلالة والمعنى» ، فالنص-إذن-ذو طابع كتابي سواء أكان طويلاً أو قصيرًا وآليات انسجامه أفقيةٌ نحويةٌ، أما الخطاب فهو محكيٌّ شفاهيٌّ وآليات اِنسجامه عموديةٌ دلاليةٌ.

أمَّا "أدم جون ميشال " فيحدد النص في إطار علاقة المقام (الموقف) بالخطاب، فالنص بالنسبة إليه «بنية مجردة في ذهن المتكلم، سواء أكانت هذه النبيه مقطعية جميلة أم قضوية، بمعنى أن النص بالنسبة له هيكل شكلي قاعدي لا يتكون إلا من عناصر عملية التواصل، والمتكلم يحتاج إلى تعديل هذه البنية حسب ما تمليه عليه ظروف (المقام) فيدمج -إذن -بين النص والمقام ليشكل بنية الخطاب». 

ويمكن تمثيل فكرته بالصيغة الآتية: الخطاب = نص + مقام

وهذه الصيغة نجدها أيضا عند "دومينيك ما نغونو"، حين يعرف الخطاب فيقول: «خطاب/نص: ينظر إلى الخطاب من حيث هو اِرتباط النص بسياقه»

ومما سبق ذكره نستنتج أن الخطاب بنية اجتماعية محسومة، أما النص فهو بنية لسانية صورية، ويمثل المقام شروط إنتاج الخطاب ويتشكل من العناصر غير اللغوية المجردة والمحسومة الماثلة في ذهن المتخاطبين أو في المحيط الخارجي وقت جريان الخطاب، ويعزى لها الدور في صياغة العناصر اللغوية في الملفوظ أو ما يُسمّى بالسياق .

ولم يخالف هذا العرض تصور "ميشال شارولز" في أن النص «مجموعة لسانية مغلقة على نفسها لأنها بنية صورية مجردة في الذهن المتكلم الذي يقوم بفتحها وتوسيعها الى خطاب عن طريق دمجها في المقام، والخطاب هو مجموعة "لسانية" مفتوحةٌ على شروط انتاجها (المقام) حيث يهتم نحو الخطاب بدراسة شروط إنتاجه وبعملية تحويل النص إلى خطاب بواسطة المقام.»

أمّا "ميشال فوكو" فيفرق بين الخطاب والنص باعتبار الاول «مصطلح لساني، يتميز عن نص وكلام وكتابة وغيرها ...يشمله لكل انتاج ذهني سواء كان نثرا أو شعراً، منطوقًا أو مكتوبًا، فردياً أو جماعياً ذاتيًا أو مؤسسيًا، في حين أنّ المصطلحات الأخرى تقتصر على جانب واحد، وللخطاب منطق داخلي وارتباط مؤسسي، فهو ليس ناتجا بالضرورة عن ذات فردية يعبر عنها أو تحمل معناها أو يحيل إليها ...بل قد يكون الخطاب مؤسسا لفترة زمنية أو فرع معرفيا ما». 

إن هذا التعريف يجعل الخطاب أعم من النص، فمجموعة من النصوص تشكل خطابا شفويا أو مكتوبا، ينجزه فرد أو جماعة أو تيار إيديولوجي أو فكري أو فلسفي، وحجتنا في ذلك أنّنَا نُوَظّفُ في لغتنا المستعملة (الكلام) أنواعًا من الخطاب كخطاب الأنوثة وخطاب الإمبريالية وخطاب الثمانينات ...إلخ. وهذا ما ذهب إليه "ديبوغراند" حين اِعتبرَ الخطاب بُنْيَةً من النصوص المترابطة تجمعها علاقة معينة.

أمّا عن الباحثين العرب فنجد "محمد العبد " يعرف الخطاب بأنه: «كلامٌ منطوقٌ يَتّسِعُ لعرض ملابسات إنتاجية وتلقيه وتأويله كالحركات المصاحبة له اثناء الاتصال، وهو يتسم بالطول مثل الخطاب الروائي الذي يعتمد على الحوار، اعتقادات المؤلف، الشخصيات، بينما يتسم بالطابع الكتابي والى القصر تارة حتى يغدو مثل السكوت، والطول أحيانًا حتى يصبح مدونةً مثل رسالة الغفران» .

وكذلك فإنَّ الخطاب يحقق النص لأنَّ الخطاب كما أشار "سعيد يقطين" «هو فعل الإنتاج اللفظي، ونتيجة المسموعة المرئية، بينما النص هو مجموعة البنيات النسقية التي تتضمن الخطاب وتستوعبه، أو بتعبير آخر: الخطاب هو الموضوع المجسد أمامنا كفعل، أما النص فهو الموضوع المجرد والمفترض، أو الخطاب = النص في حالة الفعل» 

غير أنَّ الدكتور "عبد المالك مرتاض" يرى أن النص أعمُّ من الخطاب يقول: «ثم لـِمَ لا يكون النص خطابا والخطاب نصا؟ ذلك الشيء قيل به، ولكننا نحن نأبى القول به، فالنص لدينا أشمل وأرحب، أما الخطاب فتصنيف داخلي، تفصيل من مجمل، وفرع من أصل كبير. النص هو كل كتابة على وجه الاطلاق، في حين أنّ الخطاب تصنيف لنوع الكتاب، تخصص في داخلي في تحسينها» .

وتختم هذه النقطة بتفرقة الدكتور "بشير ابرير" بين الخطاب والنص، فالخطاب «يفترض وجود الملتقي لخطة النطق به شفويا فلا يتجاوزه إلى غيره، أما النص فهو مدونة مكتوبة تؤجل قراءتها، أي لها ديمومة التلقي في كل زمان ومكان»

تحليل واستنتاج

يمكن التفريق بين النص والخطاب باعتبار النص بناء نظريا والخطاب ككلام يخضع للملاحظة والمشاهدة والمواجهة، ويمكن اعتبار النص مشكلا للخطاب (أو مجموعة من النصوص) وهو رأي "ديبوغراند"، وهو الرأي الذي نعتمد في بحثنا هذا. 
والنص قد يصبح خطابا والخطاب قد يصبح نصا، ومن أدلة ذلك الأمثال والحكم فهي نصوص لكنها حين تضرب في موقفٍ مَا فإنها تستهدف مخاطبًا واحداً أو أكثر، ولا تستهدف المتكلم فقط.


تعليقات