من لسانيات الجملة إلى لسانيات النص

من لسانيات الجملة إلى لسانيات النص

من لسانيات الجملة إلى لسانيات النص


 إنّ تركيز لسانيات النص وتجاوزها لمجال الجملة أدّى إلى اتساع مجال الرؤية لديها، فهي لا تلغي العلوم التي سبقتها والتي تناولت اللغة ومستوياتها بالدراسة والتحليل –كلسانيات الجملة مثلا-بل إنّها تستفيدُ من نتائجها وتعتبرها نقطة انطلاق لهل لتفسير ظواهر لغوية عجزت عنها تلك العلوم.

إذن فلسانيات النص «أكثر المناهج المعاصرة تبلوراً وإفادةً من المقولات السابقة عليها واستيعاباً لهل لإدراجها في منظومتها العلمية». 

إنّ اعتبار النص و التحليل النصي قطب الرحى ليس بدعا من القول أو الفعل، فقد شهدت نهاية القرن الماضي حركةً نشيطةً في العلوم الانسانية تمثلت في الاعتماد على مناهج تعتمد على التحليلات النصية ، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: منهج تحليل المحتوى في علم الاجتماع، ومنهج تحليل المحادثة في علم الطب النفسي، وفي هذا الصدد يقول الدكتور صلاح فضل: «وينبغي أن نؤكد الربط بين انتشار علم النص وذيوع التحليلات النصية في مختلف العلوم الإنسانية و الاجتماعية الحديثة، وبروز مناهج متعددة» ، ولذلك فقد صرح فان دايك بأنه قد « انطلقت نداءات بضرورة الخروج من بوتقة التحليل على مستوى الجملة إلى مستوى أكبر هو التحليل على مستوى النص» ، ومن جهة أخرى فإنّ أمثل فهمٍ لظاهرة اللغة تكمن في دراسة النصوص وتجاوز مجال دراسة الجملة ؛ لأنّ الإنسان حين ينطق أو يكتبُ فإنّه يعبّرُ في ذلك الموقف اللغوي عن طريق حوارٍ معقّدٍ متعدد الأطراف، وبالتالي تكثرُ إدارة الموقف – كما أطلق عليها "روبت ديبوغراند" و"دريسلر"-وتتداخلُ وتتصادم الاستراتيجيات، ولا شكَّ أنَّ لسانيات الجملة أقل مستوى من لسانيات النّص لن تستطيع الوصف أو التفسير أو التحليل، مما يجعلنا نتأكّدُ من أهميّةِ لسانيات النص في فهم الظاهرة اللغوية.

لقد اتفق جل الباحثين على ألمعية هاريس ونباهته حين اقترح أن تتجاوز اللسانياتُ الجملةَ إلى النصِّ والخطابِ، وذلك في منتصف القرن الماضي، يقول الدكتور "سعد الدين مصلوح" :«ولم يبدأ الاتجاه إلى نحو النص في فرض وجوده إلا مع بدايات النصف الثاني من هذا القرن (يقصد القرن العشرين) حيث نشر "زيلج هاريس Zellig Harris" دراستيْنِ اكتسبتا أهمية منهجيةً في تاريخ اللسانيات الحديثة تحت عنوان : " تحليل الخطاب " Discourse Analysis إذ إنّهُ بهاتين الدراستيْنِ لم يكن أوّل لساني حديث يعد الخطاب موضوعاً شرعيا للدرس اللساني فحسب، بل إنّه جاوز ذلك إلى تحقيق قضاياهُ التي ضمنها برنامجه بتقديم أول تحليل منهجي لنصوصٍ بعينها. وقد خرج بذلك عن تقليد أرساهُ "بلومفيلد " يقضي بان التعبير اللغوي المستقل بالإفادة أو الجملة هو ما يهتم به اللساني، أما النص فليس إلا مظهراً من مظاهر الاستعمال اللغوي غير قابل للتحديد» . ولكن لماذا النص وليس الجملة؟ أليس النص متوالية من الجمل؟  ألا تمرُّ دراسة النّص بمستوى دراسة الجملة؟ يجيبنا "برند شبنلر": «يقوم علم اللغة النص على فكرة أنّ النص يُعدُّ الموضوع الرئيسي في التحليل و الوصف اللغوي، هذا على الرغم من أنّ الجملة تُعَدُّ (تقليداً وما زالت) أكبر وحدة لغوية. وهكذا كانت النظرة إلى النحو التحويلي في شكله المعروف الذي ظهر لأوّل مرّة في السنوات الخمس عشرة الماضية على أنّه نحو الجملة، فالجملة هي المقصدُ في القضية التحويلية. وتعرف اللغة في النظرية التحويلية على أنّها مجموعةٌ من الجمل التي يُنتجها النحو. إنّ تركيبة (المتكلم-السامع) تقرر بناءً على الكفاءة في نحوية الجملة وقبولها. وسبقت الإشارةُ إلى أنَّ وحدة (الجملة) ليست كافيةً لكل مسائل الوصف اللغوي، وهكذا يمكن الحكم بقبول جملةٍ ما إذا ارجعها الإنسانُ إلى الجملة السابقة، وتتضحُ الحاجة إلى إرجاع المسائل العلمية البسيطة إلى معلومات الجمل السابقة» .

فالنص هو الغاية حتى وإن كان التحليل ينصبُّ على الجملة كما أشار الدكتور "محمد حماسة عبد اللطيف" حين قال:« إنّ تجزئة النّص من أجل دراسته ليست تجزئةً يراد بها تحنيط هذه البقايا المجزأة، ولكن يراد بها أن نفهمَ عقلياً حركة الأجزاء والعلاقة فيما بينها في الجسم الحيِّ الذي نحبُّهُ وهو النصّ » ، وبمثال آخر يمن تشبيه علاقة النص بالجمل المكونة له بمقطع  فيديو و الصور المشكلة له؛ فالفيديو يتكوّنُ من ثلاثين صورة في الثانية (29.97 fps بالضبط) ولكن كينونة الفيديو تختلف تماماً عن كينونة الصور الساكنة المشكلة له، والذي يكتفي بدراسة الجملة وهو يروم فهْمَ النص كمن يشاهد الصور صورةً صورةً وهو يدعي أنه مستمتع بمشاهدة الفيديو! رغم أنهما كيانان مختلفان.
ولكن بالرغم من كل ما سبق إلا أنّ هناك علاقة تكامل بين الجملة والنّص؛ فلسانيات الجملة تمهيدٌ ضروريٌّ للسانيات النّص، «فلا يمكن لأحدهما أن يُلغيَ الآخر لما فيه من تجاهلٍ لحقب كثيرة مديدة من البحث اللغوي، وتجاهلٌ –أيضًا-لأهمّ مكونات النص الشكلية التي تتمثل في الجملة» ، وعند العودة إلى تراثنا العربي نجد عدة أمثلة تدل على وجوب الجمع بين النص والجملة؛ فمأثورنا اللغوي يصرح أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، وأنّ السُّنَّةَ تُفصِّلُ ما أُجمل في القرآن. وهذا أمر معروفٌ في لسانيات النص إذ يقول "ديبوغراند" مؤكداً: «فالغاية هي الانتفاعُ بالنص في جملته؛ لبيان وفائه بما تعلّقَ به من أغراض، ثم بيان انتفاع النص بالنص في جلاء ما غمض من مراميه، غير أنَّ اتحاد القصد لا ينفي اختلاف المنهج»  وذلك لاختلاف معطيات كلِّ دراسة.

وهناك مفهومٌ مهمٌ جدًّا يميزُ بين لسانيات الجملة ولسانيات النص: «فمفهوم النحو في لسانيات النص يأخذُ أدواراً اخرى غير أدواره في لسانيات الجملة، فلا يراد منه مجموعة القواعد القسرية والقوانين التي تطبق على النص وإنما هو القوانين الاختيارية المستنبطة من النص ذاته. » ، ولذلك نجد "سعد مصلوح" يصف لسانيات الجملة (نحو الجملة خصوصاً) بأنه غير كافٍ لوصف الظواهر التي تتجاوز حدود الجملة « حيث إنه يعد قواعدها منتهى همه و مبلغ علمه ، لا يقر للنص بكينونة متميزة توجب معالجة تركيبه مجموعة نحوية تستجيب لمقتضيات بنيته، وتكون مؤهلةً لتشخيصها ووصفها، وبهذا يقع النص خارج مجال الدرس اللغوي، ويبدأ التحليل النحوي باجتزاء الجمل وعزلها تقريبا عن سياقها في النص أو الخطاب، ويصبح السلوك اللغوي مجرد تحقيق لا نهائي لعدد من  نماذج الجمل، وما على النحوي إلا الكشف عن هذه النماذج، وتحديد قوانينها على مكوناتها التركيبية ليصير الكلام جميعه قيد الضبط» .ومن أجل هذا القصور المنهجي الذي لحق بنحو الجملة ظهر ما يسمى بنحو النص و الذي يقول عنه "سعد مصلوح":«...أن نحو النص  Text Grammer الذي نريده وندعو إليه هو نمط من التحليل ذو وسائل بحثية مركبة تمتد قدرتها التشخيصية إلى مستوى ما وراء الجملة، بالإضافة إلى فحصها لعلاقات المكونات التركيبية داخل الجملة Intra Sentential Constituents و تشمل علاقات ما وراء الجملة مستويات ذات طابع تدريجي ، يبدأُ من علاقات مابين الجمل Intra Sentential Relations ثم الفقرة Paragraph ثم النص Text أو الخطاب Discourse بتمامه.» 

لقد ظلت الجملة في النحو العربي –وبقية الأنحاء الأخرى-أكبر وحدة لغوية في التحليل اللساني وذلك لعلاقتها بما يسمى بالمعيارية أو الارتباط بالصحة والخطأ في انتاج المتكلم للجمل والتراكيب، ولذلك، مال نحو الجملة إلى العناية بوسائل إنتاج الأصوات والنظم الصرفية والنحوية وتقديم كل ما سبق على العناية بالدلالة وبالمعنى وعن تأثير الموقف (المقام) والعواملِ غير اللغوية وعن ربطِ المنتوج اللغوي بالسياقات المختلفة التي أُنجزت فيه، لذلك، كان ولا بد أن يوجه البحث اللسانيُّ إلى النّص والخطاب. وقد ذكر "أحمد عفيفي" جُلَّ العوامل التي نقلت البحث في اللغة من مجال الجملة إلى مجال النّص وهي كالتالي :

  • اجتذبت النصوص علم النحو بناءً على وجود مذاهب نقدية ترتكز على النص كبنية كلية، لا على الجمل باِعتبارها بنى فرعية، حيث صنع ذلك تطوراً واضحاً في التحول من نحو الجملة إلى نحو النّص، وسياقه، ومعانيه المتعالقة، وظروف التواصل.
  • كثيرٌ من الظواهر التركيبية لم تجد في إطار نحو الجملة تفسيراً كافياً مقنعاً وربما يتغير الأمر إذا اتجه الوصف في الحكم على هذه الظواهر في إطارِ وحدة أكبر من الجملة هي النص، وذلك من خلال دراسة أشكاله البنائية، ومعايير التماسك والترابط والانسجام بينها.
  • غلبة النظرة الاجتماعية على الدرس اللغوي، والعناية بدور اللغة التواصلي مما ساعدَ على توسيع مفهوم النحو؛ ليصبح مكوناً من مكونات نظرية شاملة تفسر السلوك الإنساني من خلال ربط النص بسياقه التواصلي، لا من خلال الجملة.
  • الإفادة من نحو النص في خدمة الترجمة من لغة إلى لغة أخرى، لحاجتها إلى الترابط في اِستعمالات اللغة، وذلك من المهام المنوط بها نحو النص، وهو ما لا توفره الدراسات التقليدية التي تُعنى بالنُظم الافتراضية للنحو وللمعاجم الخاصة باللغات.
  • إنّهُ من خلال نحو النص يمكن أن نعيدَ النظر في فهم بعض المفاهيم اللغوية السائدة وذلك إما بتعميقها أو تعديلها، ومثال ذلك: إعادة دراسة مفهوم الوحدة العضوية في القصيدة الجاهلية من خلال وسائل التماسك الشكلية والمفهومية بين الأغراض الشعرية المتعددة، ومن ذلك أيضاً تغيير النظرة إلى التضمين العروضي الذي عُدَّ قديماً من عيوب القافية، إذ يمكنُ أن يُدرّسَ النحو كوسيلة للتماسك الشكلي والدلالي بين أجزاء القصيدة.
  • الاتصال الوثيق بين كلٍّ من علم النحو وعلم البلاغة وعلم النقد وعلم الشعر أيضا ... أدى إلى الإحساس القوي بضرورة توسيع الدراسات القائمة على الجملة إلى دراسات ذات إطار أوسع يتمثل في النص.
  • العلاقة بين فقرةٍ وفقرةٍ، ونصٍّ ونصٍّ، وهذا يبرز عند النظر إلى السور القرآنية؛ فلا يمكن إدراك هذه الصلة والترابط من خلال نحو الجملة، بل النظرة النصية بمفهومها الواسع.

تعليقات