مفهوم النص في لسانيات النص

مفهوم النص في لسانيات النص

مفهوم النص في لسانيات النص


مما لاشك فيه أن مفهوم النص له أهمية كبيرة في لسانيات النص، فقد عنيت  بدراسته تعريفًا وتفريقًا بينه وبين الخطاب بنيةً ومنهجَ  دراسةٍ، وبما أن هذا العلم يوصف بأنّهُ متشعّبٌ، فقد اُخْتُلِفَ في مفهوم النص نظرًا للاختلاف مشارب الباحثين وتباين تصوراتهم وافتراق منهاجهم، فكثرت التعريفات لمفهوم النص ، وتباينت، فمنها من اِعتمد على ما يسمى بالمكونات الجُمَلِيّة، ومنها من أضاف إليها خاصية الترابط، ومنها من اعتمد في تعريفه على التواصل والسياق ، ومنها من جعل من المقاربات والمواصفات المختلفة جسرا ً كي يقيم النص ويكشف أهم العوامل التي تحول الملفوظ إلى نص .

 وقبل الانطلاق إلى تعريف النص اِصطلاحاً لابد أن نُعَرِّجَ على بعضٍ من المعاجم العربية والغربية التي عرفته لغةً علَّنَا نجد علاقةً بين التعريف اللغوي البحت وبين التعريف الاصطلاحي فـــــلِكُلِّ مصطلحٍ من لفظِه نصيبٌ.

مفهوم النص لغةً

إن المتأمل في المعاجم العربية يجد أن المعنى اللغوي للنص لا يكاد يخرج عن المعاني الأتية: الرفع، الظهور، الثبات، ضم الشيء، الغاية القصوى من كل شيء ومنتهاه:
جاء في لسان العرب في مادة (ن ص ص) ما يلي:

 «النص هو رفعك الشيء، ونصَّ الحديث ينصهُ نصًّا: رفعه. وكل ما أظهر فقد نُصَّ. والمنصة ما توضع عليه العروس لترى، والنصنصة إثبات البعير ركبتيه على الأرض وتحركه إذا هم بالنهوض والنص: رفعك الشيء، ونص الحديث ينصه نصا: رفعه، وكل ما أظهر فقد نص... وقال عمرو بن دينار: ما رأيتُ رجلًا أَنَصَّ للحديث من الزهري ...وَنَصَّ المتاع نصا: جعل بعضه على بعض. وأصل النص: أقصى الشيء، وغايته وهو نوع من السير السريع. ونَصُّ كلِّ شيءٍ منتهاه». 

أما (المعجم الوسيط) فقد جاءت في مادة ((نص)) بمعنى:

 «نص الشواء: صوتٌ على النار والقدر، نص الشيء: رفعه وأظهره، يقال: نصت الظبية جيدها، ويقال نص الحديث: رفعه وأسنده إلى المحدث عنه ونصّ فلانا: أقعده على المنصة، ونص الشيء: حرَّكَهُ، ونصَّ الدابة: استحثها ونص فلانا: استقصى مسألته عن شيء حتى استخرج كل ما عنده». 

ومن خلال هذه التعريفات اللغوية نجد أن هناك علاقة بين مفهوم النص اصطلاحا وبين المعاني الآتية:

  1. ضم الشيء: فالنص يعتمد اعتماداً واضحا على مفهوم الضم والذي يفهم منه الاِتساق والترابط والتضام بين أجزائه الشكلية ومكوناته المعنوية أو ما يسمى في لسانيات النص بالاِتساق والانسجام.
  2. بلوغ الغاية القصوى: هناك من الباحثين من لم يفرق بين النص والخطاب و استعمل المصطلح: (نص/الخطاب) ليؤكد على أن النص والخطاب مصطلحان لمفهوم مشترك، إذن فــ(النص/ الخطاب)  هو أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه التحليل اللساني . وهذا ما يشير إليه المعنى اللغوي لكلمة نصّ.
  3. الثبات و الاستقرار: بالعودة إلى قول "عمرو بن دينار" فإننا نفهم منه أنَّ النص في العربية يحمل معنى الثبات والاستقرار، فإن النص الظاهر المنكشف ثابت لا يعتريه التغيير ولا يصيبه النقص أو الإضافة أو التعديل، ومعنى كلام عمرو بن دينار يوافق هذا الاستنتاج  إذْ إنَّ  الزهري يعيد الحديث الذي يسمع كما هو -بلا زيادة ولا نقصان - ولا إضافة ولا حذف، ولذلك، فقد استعمل - أيضا - مصطلح الإسناد لأنه يرفع الحديث إلى صاحبه ويسنده اليه دون التدخل فيه سواء أكان هذا التدخل لفظاً أو معنىً ، ومما يؤيد هذا الرأي إشارة لسان العرب إلى ثبات البعير لأقدامه حين يهم بالقيام فسماها (نصنصة ).

ومما يؤيده -أيضا -قول صاحب لسان العرب: «نصنصة الحديث الى فلان ...نسبته اليه من غير تدخل فيه.»  اي نسبة الحديث اليه ثابتا لفظا ومعنى دون أن يغير النّاسب شيئاً منهما.

ولعل هذا المعنى-واقصد معنى الثبات والاستقرار للنص-هو المقصودُ من إضافته إلى كلمتيْ القرآن والسنة؛ إذْ نجد أنّ فقهاء الإسلام سيستعملون هذا المصطلح المركب تركيبًا إضافيًا فيقولون: "نَصُّ القرآن" و"نَصُّ السُّنّة"، ولعلهم، بذلك الاصطلاح المركب، نقلوا دلالة النص اللغوية (أو ما يسمونه بالحقيقة اللغوية) إلى حقيقة عرفية، دلالة يفهمها من يمتهنون الفقه وأصوله لأنهم يعلمون تمام العلم أن كلمة (نص) أصبحت شائعة بين الناس وتحوَّلَتْ بشيوعها إلى حقيقة عرفية.

وبالعودة والتعريج إلى المعاجم الغربية نجد أنَّ كلمة "النص" تقابل في لغاتهم كلمة ""text   او texte" " بالفرنسية، والتي تعود الى الجذر والأصل اللاتيني textus"" الذي بمعنى " النسيج " أو " ظفيرة الشعر "، ومنه تطلق كلمة"textil" على ماله علاقة بإنتاج النسيج و« هذه المادة توحي بدلالات منها دقة التنظيم ، وبراعة الصنع ، والجهد والقصد و الكمال والاستواء»  أما عن معجم " لاروس العالمي "  فانه يعيد كلمة "text  " إلى فعل "textere " ومعناه "نسج" ، فالنص إذن هو النسيج لترابط أفكاره و تتابع كلماته وعباراته. 

مفهوم النص اصطلاحا

لابد هنا أن نذكر القارئ الكريم بأن "النص" في الاصطلاح قد تجاذبته الكثير من التعريفات التي قد تتضارب وتتباين أحيانا نتيجةً لتعدد توجهات الباحثين واختلاف مدارسهم، ولذلك فإنّنَا نؤكد بأنه لا يمكن أبدًا أن توحد كل تلك التعريفات الكثيرة في تعريف شامل جامع مانع تنكشف به الغمة وتزول به الغشاوة.

ولكننا سنحاول قدر الامكان أن نأخذ من كل تعريف فوائده المستقاة وأن نقارن بين تلك الفوائد المجتمعة لنخرج بعدئذ بتعريف يمكن أن يكون مقبولا عند الكثير من الباحثين اللسانيين.

ولنبدأ بتعريف مؤسس لسانيات النص " تون فان دايك" حين يعتبر النص بنية مقطعية قضوية تتشكل من وحدات لسانية يندرج بعضها في بعض: يقول "فان دايك" النص «...منطوقات لغوية مكتوبة ومطبوعة تستند إلى وصف نحوية أكثر ثراء لأبنيتها ... وسنفترض هنا كذلك أنه توجد أبنية كبرى ودلالية وفق طبيعتها.» 

وعند التمعن في هذا التعريف نجد أن "فان دايك" يعرّفُ النص انطلاقاً من منظور منطقي(قضوي)، ويعتبره "منطوق" قبل أن يكون مكتوبًا أو مطبوعًا، ليؤكد بأنّ النص في الأصل منطوقٌ ثُبِّتَ بالكتابة والطبع.

إضافةً إلى ما سبق، فإنَّ "فان دايك" قد جَعَلَ من النّصِّ كُلًّا مُكَوّنًا من أبنيةٍ متعددةٍ يجمع فيما بينها نظام علوي سماه بـــــ"البنية الكبرى" ، وهذا الطريقة التقسيمية للنص لم تكن بِدْعًا عند علمائنا السابقين؛ إذ نجد الناقد العربي  الكبير " حازم القرطاجني " قد سبق "فان دايك" بقرون عديدة حين أشار في كتابه الموسوم بــــِ (منهاج البلغاء وسراج الادباء) بأن القصيدة مقسمة إلى أجزاء سماها فصولا حيث يتكون كل فصل من بيتين إلى أربعة موحدة البناء والمعنى ، وهو الذي أدرك الصلة الوطيدة بين مطلع  القصيدة  وخاتمتها ، ويقول إبراهيم خليل : « أدرك -أي حازم القرطاجني -الصلة الرابطة بين  مطلع القصيدة وما سماه بالمقطع ، وهو آخرها الذي يحمل في ثناياه الانطباع والأخير والنهائي عن القصيدة.» .

أمَّا "روبرت ديبوغراند" و "ولفجانج دريسلر" فإنهما يعرفانِ النّصَّ على أنّهُ: «حدث تواصلي، يعزم لكونه نصا أن تتوفر له سبعة معايير للنصية مجتمعة، ويزول عنه هذا الوصف إذا تختلف عنه واحد من هذه المعايير»

وهذه المعايير -مُلخّصةً-تتمثل في:

  1. الاتساق: وهو الترابط الرصفي والشكلي، وله عدة مستويات: كالمستوى النحوي والمعجمي والصوتي ...إلخ.
  2. الانسجام: وهو الترابط المفهومي العميق للنص، ومن أهم علاقاته التعميم والتخصيص والسببية وغيرها...
  3. القصدية: لكل مرسل عند دخوله في تواصلي هدف ما يريد تحقيقه من خلال النص الـمُنْجَزِ.
  4. المقبولية: عرفها الدكتور "حسام أحمد فرج" أنَّها «...بالمعنى الواسع رغبة نشطة للمشاركة في الخطاب» ، وهو تعريف -يردف الدكتور- يعتمد على التفاعل بين مقاصد المنتجين ورغبة المتلقين في المعرفة وصياغة مفاهيم مشتركة.
  5. الإعلامية: وهي ما نحصل عليه من معلومات يحتويها النص، ويعرفها "ديبوغراند" أنها «العامل المؤثر بالنسبة لعدم الجزم في الحكم على الوقائع النصية، أو الوقائع في عالم نصي "textuel " في مقابلة البدائل الممكنة ...»
  6. المقامية: عرفها "ديبوغراند" بأنها «تتضمن العوامل التي تجعل النص مرتبطا بموقف سائد يمكن استرجاعه، ويأتي النص في صورة عمل يمكن يراقب الموقف، وأن يغيره»
  7. التناص: عرفه "ديبوغراند" أنَّهُ «العلاقات بين نص ما ونصوص أخرى مرتبطة به وقعت في حدود تجربة سابقة سواء بواسطة أم بغير واسطة...»
 ويبدو أن "رولان بارت" قد عرف النص مقتربًا جدًا من تعريفه في الأصل اليوناني لكلمة Text ، فالنصُّ في نظره هو : « السطح الظاهري للنتاج الأدبي ...نسيج من الكلمات المنظومة في التأليف والمنسقة ، بحيث نفرض شكلا ثابت ، ووحيدا  ما استطاعت إلى ذلك سبيلا» ، وهذا التعريف يعتمد فيه صاحبه على تشبيه النص بالنسيج ،فالكاتب المبدع في رأي "بارت" يكون حريصًا على تركيب الحروف ، له القدرة على نسج لغة الكلام ،ليبرز للمتلقي مظاهر الجمال.

  أما "هاليداي" و"رقية حسن" فيعرفانه بأنه: «كلمة ...تستخدم في علم الإشارة إلى أي فقرة منطوقة أو مكتوبة مهما طالت أو امتدت، وأفضل نظرة إلى النص هي أنه وحدة دلالية وهذه الوحدة ليست شكلًا لكنها معنى» ، ومن خلال التعريف السابق يكون النص طويلا أو قصيرا، مكتوبا ًأو منطوقاً تتحقق فيه ميزة التواصل بين (المتكلم / المرسل) و(المستمع / المتلقي) في إطار سياقٍ مَا ، فإنْ تحققت هذه الشروط جاز لنا - في رأي "هاليدي" و"رقية حسن"-أن تكون الكلمة الواحدة نصًّا.

استنتاج

ومن خلال التعريفات السابقة يمكننا أن نستنتج ما يلي:
  • النص حدث تواصلي بين مرسلٍ ومتلقٍ أو أكثر.
  • النص بنية قضوية.
  • النص منطوق لغوي. وقد يكون منطوقا فقط أو مكتوباً فقط. 
  • النص كُلٌّ (نظام) مُكَوَّنٌ من أبنيةٍ متعددةٍ يجمع بينها نظامُ البنية الكبرى.
  • النص هو السطح الظاهري للنتاج الأدبي.
  • النص قد يكون كلمة واحدة إذا كانت في مقام التواصل تام الأركان والعناصر.
  • لا يكون النص نصا إلى إذا توفرت فيه سبعة معايير وهي: الاتساق -الانسجام -القصدية -المقبولية -الإعلامية-السياق – التناص. 
ويبدو أنَّ تعريف "ديبوغراند – دريسلر" هو أقرب تعريف تجمع النقاط السابقة قبولا في لسانيات النص: فالنص بنية من حيث الشكل (الاتساق) ومن حيث المضمون (الانسجام)، وهو حدث تواصلي بين المرسل والمتلقي (القصدية والمقبولية) وبينه وبين نصوص أخرى غائبة(التناص)، وهذا الحدث التواصلي له محيط ينتج فيه ويتفاعل معه (المقامية)، وهو يبلغ رسالةً معيّنةً ويبتغي الخلود، ولذا فإنّهُ يسعى إلى التميز (كخروجه عن البنية الكبرى المعروفة)  أو ما يسمى بالإعلامية.
تعليقات